الطوباوي يعقوب الكبوشي

ولادته ونسبه

وُلد خليل (المكرّم "أبونا يعقوب") في أوّل شباط سنة 1875، في بلدة غزير. والده بطرس صالح الحدّاد، والدته شمس يواكيم الحدّاد، وهما والدان صالحان يتحلّيان بروح التقوى والفضائل المسيحيّة. يقول أبونا

علّمتني أمّي: " إعمل كلّ شيء واحتمل كلّ شيء حبًّا لله"؛ " يا ابني في ساعات الشدّة، صلِّ بمسبحة أمّكَ "؛ " إيماني إيمان بطرس

وعلّمني أبي: الواقعيّة، وصواب الرأي مع حبّ النكتة البريئة وشيءٍ من تصلّب الإرادة..

قبلَ خليل سرّ العماد في كنيسة سيّدة الحبشيّة في الحادي والعشرين من شهر شباط سنة 1875، ونشأ في بلدته غزير، يتعلّم في مدرسة الرعيّة مار فرنسيس، ثمّ انتقل إلى مدرسة القدّيس لويس المعروفة بمدرسة المزار، ليلتحق، فيما بعد، بمدرسة الحكمة في بيروت، متخرّجا منها سنة 1891. وكان طالبًا ذكيًّا متفوّقًا بارزاً في تقواه وتعبّده للعذراء مريم. سافر إلى الإسكندريّة سنة 1892 مزاولاً التعليم، كي يُعين والديه على تربية إخوته، فكان معلّما ناجحا يغذّي طلاّبه بالفضيلة والمعرفة، وشابًّا تقيًّا عاكفا على العبادة والتأمّل في حياة المسيح. وهناك سمع صوت الدعوة ليهجر العالم ويحمل الصليب ويتبع المسيح. قال: "سأصير كاهنًا". عاد إلى غزير، وراح يجاهد بالسيرة والرّوح والصلاة ليقنع أباه بطرس بدعوته الرّهبانيّة الكبّوشيّة إلى أن تحقّقت له أمنيته، ودخل دير مار أنطونيوس خشباو للآباء الكبّوشيّين في 25 آب سنة 1893. يُذكَر أنّه قال حينها: "دخلت طيِّب وما بضهر إلاّ ميِّت". لبث في الطالبيّة الكبّوشيّة ثمانية أشهر عاملاً في جنينة الدير، متمثّلاً بيسوع فتى النّاصرة، مبديا الميل إلى الحياة الرّهبانيّة وما يترتّب عليها من فقر وعفّة وطاعة، مبرهنا عن دعوة صافية للترهّب، ممتلئا بحبّ الخدمة والصلاة.

مرحلة الابتداء

دخل مرحلة الابتداء الرّهبانيّ، وهو بعدُ في دير مار أنطونيوس خشباو، ليتعلّم طريق السلوك الرّهبانيّ وما تستلزمه الحياة الرّهبانيّة من فضائل وكمال. وفي السادس والعشرين من شهر آذار سنة 1894، ألبسه رئيس الدير ثوب الابتداء متّخذًا له اسم الأخ يعقوب. سار الأخ يعقوب الحدّاد الكبّوشيّ طريق الابتداء بكلّ قناعة ومثاليّة، فكان قدوة صالحة في جميع تصرّفاته، مستسلما للعناية الإلهيّة، متجاوبا مع إرادة المسؤولين عنه بطاعةٍ وفرحٍ وأناةٍ ودماثة خُلقٍ، متمثّلاً بالقول الإلهيّ: "ما مِن أحدٍ يضع يده على المحراث، ثمّ يلتفت إلى الوراء، يصلح لملكوت الله" (لو62:9). وكان، كلّما شعر بشدّة أو ضيق، يلجأ إلى الصليب، متمثّلاً بقداسة أبيه مار فرنسيس الأسيزيّ، ومستنيرًا بفضائله، فيزداد ارتياحًا إلى الحياة الرّهبانيّة، حياة الصليب والقداسة. إقترع الرّهبان بالاجماع على أهليّة الأخ يعقوب قبل النّذور. وفي الرّابع والعشرين من شهر نيسان سنة 1895، أبرز النّذر البسيط؛ وبعد ثلاث سنوات، أبرز النّذر المؤبّد في اليوم الرابع والعشرين من نيسان سنة 1898.

كهنوته

إنتقل الأخ يعقوب إلى دير القريّة إتماما لدروسه الكهنوتيّة، التي كان قد بدأها في دير مار أنطونيوس خشباو، منتظرًا يوم سيامته كاهنا، تائقا إلى النّهار الذي يقدّم فيه الذبيحة الإلهيّة للمرّة الأولى: "أعطني، يا إلهي، أن أقدّم ولو ذبيحة واحدة، وبعد إذا شئتَ أن تأخذني إليكَ فأكون معزًّى ومسرورًا". إقتبل درجات الكهنوت شمّاسا رسائليا (1899)، وشمّاسا إنجيليا (1900)، وفي أوّل تشرين الثاني سنة 1901، رقّاه المونسنيور دوفال الدومينيكانيّ الفرنسيّ، القاصد الرّسوليّ في لبنان وسوريا، إلى درجة الكهنوت. وأقام قدّاسه الأوّل في كنيسة مار لويس في بيروت (باب ادريس). شخَصَ إلى بلدته غزير ليحتفل بقدّاسه الثاني على مذبح دير مار فرنسيس، تعزيةً لوالدَيه وإخوته وأبناء بلدته.

رسول الشّعب

أقام "أبونا يعقوب" في دير بيروت، وراح يعمل بجدّ ونشاط وغيرة رسوليّة وثّابة، فنال إعجاب رئيسه لما رأى فيه من جهاد حيّ في خدمة الربّ، فوجّهه إلى أعمال الرّسالة، فشرع يُنشئ المدارس الابتدائيّة للصبيان والبنات في قرى لبنان منتقيا لها المعلّمين الصالحين الجديرين بهذه الرّسالة الشّريفة. كان "أبونا يعقوب" يتعهّد بنفسه مدارسه، فيزورها مشيا على قدميه، متفقّدًا شؤونها، غير آبهٍ بالتعب والعناء والمشقّة. وكانت غيرته الأبويّة الرّسوليّة تدفعه إلى العناية بإعداد الأحداث للمناولة الأولى، فيشرف بنفسه على تعليمهم لقبول القربان الأقدس. وقد شهد معاصروه على أنّه كان يقيم المهرجانات الرّوحيّة والتطوافات المقدّسة بالقربان الأقدس أو بأيقونة العذراء، ويأخذ طلاّبه والثالثيّين في زيارات حجّ إلى معابد العذراء وبخاصّة معبد سيدة لبنان. ومع المشاريع المدرسيّة أنشأ "أبونا يعقوب" "الرّهبانيّة الثّالثة" للرجال والنّساء، تيمّنًا بأبيه القدّيس فرنسيس الأسّيزي، ونشر مبادئها ونظامها في المدن والقرى سنة 1906. وكان يؤهّب أعضاءها بالرياضات الرّوحيّة، والوعظ، والإرشاد، ويزورهم مشيا من قرية إلى قرية، ليلتقي بالأعضاء ويحرّضهم على أن يكونوا المثال الصالح بالسيرة والسلوك والصلاة، وهذا ما أمّن للرّهبانيّة الثالثة الانتشار والديمومة والاستمرار. كان يريدهم رسلاً جددًا في كنيسة المسيح، وخميرةً في عجين المجتمعات اللّبنانيّة

أمّا اليوم فما زالت هذه الرّهبانيّة الثّالثة تنتشر في ضياعنا ومدننا، يسهر عليها مؤسّسها بقداسته وصلواته، ويدير شؤونها نخبة من العلمانيّين، الذين عُرفوا بالتّقوى والصّلاة والوفاء، ويسهر عليها الإخوة الكبّوشيّون. لم يقتصر الهمّ الرّسولي عند "أبونا يعقوب" الكبّوشيّ على بلاده وحسب، بل تعدّاه إلى فلسطين والشام وبغداد، وكانت جوارحه تحنّ إلى التبرّك بزيارة الأماكن المقدّسة في فرنسا وإيطاليا، فسهّل له رؤساؤه أمنيته وسافر إلى فرنسا، ثمّ الى روما حيث حظي بمقابلة قداسة الحبر الأعظم البابا بيوس العاشر سنة 1910. سنة 1914، اشتعلت الحرب العالميّة الأولى، فاضطرّ رفاقه الكهنة الفرنسيّون إلى مغادرة لبنان، ففوّض إليه رئيسه الأب جيروم كلّ أمور الرّسالة، ومن ضمنها رعاية أديرة الرَاهبات الأوروبيّات، على الصعيدَين الرّوحيّ والمادّيّ. تعرّض "أبونا يعقوب" خلال تلك الحرب، لأهوال مميتة وأخطار شرّيرة، إلاّ أنّ يد الرّب كانت معه تردّ عنه المكايد والمخاطر وتنقذه من أيدي الشرّ

رسول الرّحمة في مملكة الصليب

في غمرة أعماله المتواصلة وأتعابه الدّائمة، راود "أبونا يعقوب" حلم رفع صليب جبّار على إحدى التلال، لأنّه رأى ما دهى لبنان في الحرب الأولى من كوارث ومآسٍ، وقد مات عشرات الألوف من أبنائه جوعاً وشنقا ونفيا، دون أن يُقام الصليب على قبورهم، ليُصبح هذا المشروع مكانًا لتجمّع الثالثيّين، للصلاة على نيّة كلّ الذين ماتوا أثناء الحرب وللصلاة على نيّة المغتربين. في إطار تفتيشه عن مكان لرفع الصليب، لفتت أنظاره رابية في جلّ الديب، كانت تُدعى "تلّة الجنّ"، فاشتراها بعد طول عناء في 25 آب سنة 1919، وأقبل على تحقيق المشرروع متّكلاً على عناية الله وفلس الأرملة. إنتظر "أبونا يعقوب" زيارة الرّئيس العامّ للكبّوشيّين، الأب جوزف برسيستو، لوضع الحجر الأساسيّ ومباركته، وكان ذلك بتاريخ 19 كانون الثاني سنة 1921. وارتفع البناء، وانتهت الكنيسة أوّلاً، فكُرّست على اسم سيّدة البحر، وتمّ تدشينها في 3 أيّار سنة 1923 بوجود عدد كبير من الثالثيّين. وقد وُضعَ تمثال للسيّدة العذراء حاملة الطّفل يسوع، وعلى قدميها مركب مسافرين. وأخيرًا رُفع من الجهة الغربيّة للكنيسة صليب كبير، فتحقّق الحلم، حلم "أبونا يعقوب". كان مؤمنًا بأنّ الكاهن هو سفير الله على الأرض ووزيره. لذلك، وبعد التّدشين، استقبل في 4 تشرين الأوّل سنة 1926، أوّل كاهن وجده مهملاً ومتروكًا في أحد المستشفيات، لينهيَ حياته بكرامة في الصلاة والقداسة، وتبعه فيما بعد كهنة آخرون. ومرضى ومُقعَدون من أديان ومذاهب مختلفة. ولمّا ضاق بهم المكان، فتح لهم مراكز أخرى خاصّة بهم. يومها شعر أبونا يعقوب، في الصّميم، بالحاجة الماسّة إلى تأسيس جمعيّة رهبانيّة تُعنى خاصّةً بأولئك الكهنة والمرضى، فبدأ مشروعه الكبير، متّكلاً على العناية الإلهيّة، مع مجموعة صغيرة من الفتيات الثالثيّات، عهد بتنشئتهنّ إلى الراهبات الفرنسيسكانيّات اللونس لو سونيه، ليصبحن فيما بعد جمعيّة راهبات الصليب الفرنسيسكانيّات اللبنانيّات

"أبونا يعقوب" ورجال لبنان

إنّ أشغاله العمرانيّة الكثيرة جعلته على اتّصال بالحكومات المتسلسلة وبرجالات لبنان. وقد زار دير الصليب أكثر من شخصيّة مسؤولة، منهم: الرّئيس اميل ادّه، الذي منحه وسام الاستحقاق اللبنانيّ ذا السعف (في 5 كانون الثاني 1938)؛ والرّئيس بشارة الخوري الذي منحه وسام الاستحقاق اللبنانيّ المذهّب (في 2 حزيران 1949)، وأتبعه (في 26 تشرين الثاني 1951) بوسام الأرز اللبنانيّ برتبة ضابط؛ والرّئيس كميل شمعون منحه لدى وفاته وسام الأرز المذهّب (في حزيران 1954). أمّا هو فكان يقول: "أنا وِسامي الصليب". ومثلما قدّره وكرّمه رؤساء الجمهوريّة، قدّره وساعده كبار الشخصيّات اللبنانيّة، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر دولة الرئيس سامي الصّلح، والوزير حكمت جنبلاط، والمير مجيد إرسلان، والرئيس عمر الداعوق... هذا بالإضافة إلى شهرة عالميّة إذ كتبت عنه صحف إيطاليا وإسبانيا، وكلّها تغدق المديح والثناء على الأب المؤسّس ومشاريعه الإنسانيّة الخيّرة.

"أبونا يعقوب" واليوبيل الذهبيّ الكهنوتيّ

سنة 1951، بلغ "أبونا يعقوب" السنة الخمسين من ارتقائه إلى درجة الكهنوت المقدّس (1901)، وتحوّل في هذه السنة عينها دير الصليب من مأوى إلى مستشفى للأمراض العقليّة والنّفسيّة، إثر اعتراف الحكومة اللبنانيّة به رسميًّا، فكان الاحتفال اليوبيليّ مزدوجًا، مُنح خلاله وسام الأرز اللبنانيّ.

"أبونا يعقوب" يسلّم الأمانة

بعد هذا العمر الحافل بالجهاد المستمرّ، انتهى "أبونا يعقوب" إلى انحطاط جسديّ، غالَبَ فيه المرض وقلّة النظر. وعندما أنبأه صديقه الأب دوبري لاتور حقيقة وضعه الصحيّ، فرح وابتهج لأنّه ذاهب إلى لقاء أبيه السماويّ. ولمّا اشتدّ عليه المرض قال للرّئيسة العامّة الأم ماري عبدة المصلوب زغيب المهتمّة بمعالجته والعناية به: "لم يعد من لزوم أن تتعذّبي، يا ابنتي، لقد عملتِ كلّ واجباتك فاتركيني أذهب للقاء ربّي". وقد اعتبر موته انتقالاً من غرفة إلى غرفة فقال: "إنّي سأنتقل إلى السّماء، ولا أزال أعاونكِ...فلا تخافي...أوصيكِ بالرَاهبات". ثمّ بارك بناته الرَاهبات وأوصاهنّ بالمحبّة والطّاعة. وفي صبيحة نهار السبت 26 حزيران 1954 قال: "هذا آخر نهار". وبعد نزاع، ووسط دموع بناته الرَاهبات والصّلوات والمدائح ليسوع ومريم ويوسف، أسلم روحه معانقًا صليب الرّبّ، حبيب القلب. وكان ذلك في تمام السّاعة الثّالثة بعد الظهر. عاش "أبونا يعقوب" ثمانين عامًا مليئةً بالحصاد، وعابقةً بالجهاد والفضائل، وقد أسلم الروح بهدوء القدّيسين وراحتهم. إنتشر نبأ وفاة "أبونا يعقوب" الكبّوشيّ في لبنان والعالم، فبكاه الجميع، وزحفت الجماهير إلى دير الصليب للتبرّك بلثم يده الطّاهرة، ولرؤيته للمرّة الأخيرة. وفي صباح يوم الأحد 27 حزيران، احتُفل بالذّبيحة الإلهيّة برئاسة ممثّل الحبر الأعظم السفير البابويّ المونسنيور بلترامي. وحضر صلاة الجنّاز حشد كبير من الأساقفة والكهنة والرّهبان والراهبات، ووفود الرّهبانيّة الثالثة، والمؤمنين، كما شارك فيه أصحاب الدّولة والمعالي والنوّاب والأعيان، وذوو المناصب الرّسميّة والاجتماعيّة... وبعد تلاوة الإنجيل المقدّس، ألقى سيادة المطران بولس عقل تأبينًا قيّمًا مناسبًا لشخصيّة الرّاحل الكبير معدّدًا مناقبه ومحامده ومبرّاته ومشاريعه...

بالإضافة إلى ذلك، انهالت على الرّئيسة العامّة الأم ماري عبدة المصلوب زغيب برقيّات التّعزية من الوطن وخارجه، وكلّها تعرب عن مكانة الفقيد الغالي وشهرة مشاريعه الواسعة وفضائله وقداسته، نذكر منها رقيم قداسة البابا بيوس الثّاني عشر، ورقيم المغفور له البطريرك أنطون عريضة... وكلمات فخامة الرّئيس الشيخ بشارة الخوري، واللّواء فؤاد شهاب قائد الجيش، كما راحت الصّحف والمجلاّت تفرد لأعماله وشخصيّته الصّفحات المدبّجة بعطر الوفاء والتقدير. دُفن "أبونا يعقوب" في ضريح قرب المذبح في الكنيسة الجديدة، وكان قد قال: "هذه الجورة ستخلق لكم المشاكل". وبالفعل بعد ستّة أشهر أمرت السّلطات الكنسيّة بنقل جثمانه إلى مدفن آخر بعيدًا عن المذبح ليبقى الإكرام موجّها فقط للمذبح والقربان. في الثّامن والعشرين من شهر نيسان سنة 1957، وبحضور رهط كبير من المسؤولين الرّوحيّين والزمنيّين، وحشود غفيرة من محبّي صاحب الذّكرى، أُزيح السّتار عن تمثال "أبونا يعقوب" في وسط مملكة المحبّة، المدينة التي بُنيت على جبل، ليبقى هو نبراسها ومنارتها، ثمّ نُقل في سنة 1979 إلى مدخل بلدة جلّ الديب نزولاً عند طلب البلديّة.

مؤلّفات "أبونا يعقوب"

لقد اهتمّ "أبونا يعقوب" بالنّاحية الرّسولية المكتوبة، مؤمنا بأثر الكلمة. فهو، بالرغم من مشاغله الكثيرة، ومتطلّبات مشاريعه المتعدّدة والملحّة، قد أعطى التّأليف والكتابة وقتًا ثمينا. من آثاره: - مجلّة صديق العائلة: أنشأها سنة 1913 واستمرّ يصدرها إلى سنة 1939. جمع منها ستة وعشرين مجلّدًا. وقد ضمّنها أبحاثا ومقالات قيّمة عالج فيها شؤون العائلة والمجتمع والكنيسة والوطن، فضلاً عن روايات تاريخيّة مبتكرة حافلة بالعبر والمواعظ. - سيرة القدّيس فرنسيس الأسّيزي - كتاب التراتيل الدّينيّة للنّفوس المسيحيّة (1954- طبعة رابعة، 1992 طبعة خامسة). يقول في مقدّمة هذا المؤلَّف: "... ولهذا فقد آلينا على نفسنا وفاءً لله، وخدمةً لأبنائه المخلصين، أن نضع هذه المجموعة من التراتيل لكلّ عيد من الأعياد، ولكلّ مناسبة من المناسبات الدّينيّة، لكي يُتاح للمؤمن أن يعبّر عن تقواه وشعوره الحيّ بإنشادها والتغنّي بها في معبده، وفي نزهته، وفي وحدته".

- رواية بعنوان: أسرار الميلاد (1909)

كتيّب يحوي على رياضتَين لدرب الصليب في يوم الجمعة العظيمة (25/3/1950)

رواية ارتفاع الصليب المقدّس (1951) وهناك حوالي 8000 صفحة مكتوبة بخطّ يده، لم تُجمع بعد في كتاب.

روحانيّة "أبونا يعقوب"

الاتّكال على العناية الإلهيّة طبع شخصيّة "أبونا يعقوب"، حتّى إنّه لُقّب بـِ "رجل العناية". ترسّخت ثقته بهذه العناية أكثر فأكثر لمّا بدأ مشروع دير الصليب، ولم يحصل من رئيسه سوى على بركته فاكتفى بها كعربون لبركة الله. ولولا إلحاح زملائه، لما كتب لإحدى المحسنات في فرنسا؛ ولكم كان انذهاله عظيمًا لمّا تسلّم منها رسالة وفيها فرنك واحد. قال في نفسه: "أستحقّ ذلك. وإنّ الله الصّالح أراد أن يريني أنّه هو المحسن الأوّل والأوحد لهذا المشروع. ومنذ ذلك الحين، وضعتُ فيه وحده رجائي. إيّاك يا ربّ رجوتُ فلا أخزى... وأمّا الفرنك، فإنّي أحتفظ به إلى اليوم كذكر وكأمثولة". وكثيرًا ما كان يردّد: "العناية الإلهيّة ساعدتني... ألله اهتمّ بي... ألله بارك مشروعي... عناية الله لا حدّ لها... غريب كيف أنّ كلّ شيء ينبت على قدم الصليب..." كان الصليب حلاوة قلبه ونبض أنفاسه.كان يدعو دائمًا إلى التّسلّح بإشارة الصليب ورسمها جيّدًا؛ وكان يمارس رياضة درب الصليب المقدّسة كلّ يوم وقد جعلها للراهبات جزءًا من صلواتهنّ القانونيّة. وفي نهار الجمعة العظيمة، يجتمع المؤمنون في باحة دير الصليب ليشتركوا مع "أبونا يعقوب" وراهباته بالاحتفال بدرب الصليب

كان "أبونا يعقوب" يحمل الصليب بطيبة خاطر حتّى أصبح أليفه المحبوب، ويدعو بناته الرَاهبات إلى عدم الخوف من الصليب. وكثيرًا ما كان يردّد: "أمّا أنا فنصيبي الصليب"، "أوقيّة صليب خير من مليون كتاب صلاة"، ولعلّ أحبّ صلاة على قلبه كانت: "يا صليب الرّب يا حبيب القلب". كان يبدأ نهاره بالتأمّل راكعًا أمام القربان، الذي اعتبره مصدر قوّته ونجاحه. وقد تاق إلى تكريمه مع الجماهير، ولطالما خاطبه قائلاً: "كم أفضّل أن أطوف بكَ في الشوارع بدل أن أقفل عليك بيت القربان". لذلك راح يغتنم الأعياد والمناسبات ليقيم التطوافات والزيّاحات وساعات السّجود. بتأسّفٍ شديد على فتور النّاس تجاه القربان، كان يقول: "أكبر جرم عصرنا، الابتعاد عن القربان. بدون قربان كنيستنا فارغة باردة حزينة..."

أبونا يعقوب" رسول مريميّ، أحبّ أمّنا مريم العذراء حبًّا مميّزًا طبع كلّ حياته. كان يقول: "إنّ العبادة لمريم مهما كانت مقدّسة ليست سوى الباب المؤدّي إلى يسوع. مريم هي الواسطة، يسوع هو الغاية. مريم هي الطريق، يسوع هو البلد المقصود". ويقول: "... أحسن واسطة لإرشاد النّساء هي أن نقدّم لهنّ مريم العذراء للاقتداء بها: إنّها بتول وأمّ". وكان يتوّج إكرامه لأمّه الطاهرة بتلاوة مسبحة الورديّة الكاملة كلّ يوم

إنطلاقا من هذا الإيمان بالصليب والقربان وأمّ المصلوب، امتلأ "أبونا يعقوب" بحبّ الله والقريب، ومشى في طريق الرّسالة فظهرت خصائصه العديدة في مجالات الوعظ والرّسالة، إذ كان واعظًا عمليا ينطق بالحقّ، يعظ ليفيد النّفوس، ولا يستعمل إلاّ الكلام السّهل الممتنع البعيد عن كلّ تعقيد. ولدينا نماذج كثيرة من عظاته، مكتوبة بخطّ يده. وهي كلّها تشهد على عنايته الفائقة، وحرصه الجدّيّ الشديد، في تهيئة عظاته واحدة فواحدة، حتّى ولو تردّدت فيها الموضوعات والأفكار بتعدّد جمهور السّامعين. وفي كلّ عظة، وهذا أمر يدهش القارئ، وكم بالأحرى الذين سمعوه آنذاك، تتخلّل شروحه الشخصيّة ثلاثة عناصر أخرى ثابتة، لا غنى له عنها، وهي: آيات وأحداث وأمثال من الكتب المقدّسة، تتناول العهدَين القديم والجديد؛ ثمّ أقوال وأمثال من آباء الكنيسة، وأعلام الحياة الروحيّة والمكرّسة، قدّيسين وقدّيسات؛ ثمّ أخبار وأمثولات وتطبيقات عمليّة من رجالات التاريخ، أو من الأحداث اليوميّة المعاصرة. ويمكننا التأكيد أنّ تلك العناصر الثلاثة الثابتة في عظاته كلّها، هي حقًّا الينابيع الكبرى التي نهل منها "أبونا يعقوب" جوهر روحانيّته المميّزة.

ة 1992، وقع يوحنا بولس الثاني المرسوم الذي اعتبرالأب يعقوب "مكرماً" بسبب بطولية فضائله الإنسانية والمسيحية، كما ذكر الأب طانيوس رزق، رئيس رهبنة الآباء الكبوشيين في الشرق الأوسط. وسنة 1998، جاء شفاء السيدة مريم قطان من مغدوشة، التي كانت مصابة بسرطان خبيث وعضال، ليمهد طريق تطويبه.